إذا كان المفهوم التسويقي يدور حول المستهلك والحصول على رضائة فإن تطبيقه من جانب المنظمات يتطلب بالضرورة دراسة علمية ومنهجية لهذا المستهلك للتعرف على حاجاته ورغباته, وتفسير سلوكه الشرائي والإستهلاكي بحيث يمكن لهذه المنظمات تصميم وتخطيط أنشتطتها الإنتاجية والتسويقية بناءا على نتائج هذه الدراسات, ويعد مفهوم الخطر المدرك أحد المفاهيم الأساسية في تفسير سلوك المستهلك الشرائي.





إن مفهوم الخطر المدرك يعد أحد المنعطفات الهامة في دراسة سلوك المستهلك. فقبل ظهور هذا المفهوم كانت الدراسات المتعلقة بسلوك المستهلك تدور حول إفتراض أساسي وهو عدم إتصاف المستهلك بالرشد في إتخاذه لقراراته الشرائية. ولقد كانت الفلسفة الأساسية السائدة خلال هذه الفترة تدور حول تفسير السلوك الشرائي للمستهلك بإستخدام مجموعة من نظريات الدافعية والتي كانت تركز حول بعض الدوافع العاطفية وأثرها على القرار الشرائي للمستهلك. ولكن بعد أن تم تقديم هذا المفهوم تحولت الفلسفة التي تحكم الدراسات الخاصة بالسلوك الشرائي للمستهلك من فلسفة عدم إفتراض الرشد على هذه القرارات.





إن هذه الدراسة تساعد رجال التسويق العاملين بالمنظمات التي تنتج وتسوق تلك السلع موضع الدراسة في تقرير بعض السياسات التسويقية والتي تساعد المستهلك في التغلب على ما يشعر به من مخاطر الأمر الذي يساعده على إتخاذ القرار الشرائي لهذه السلع بصورة أكثر سهولة وأقل تعقيدا. والواقع أن هذه السياسات التسويقية قد تصبح ميزة تنافسية تتمتع بها بعض المنظمات دون الأخرى, وتوافر مثل هذه الميزة يساعد على نجاح المنظمة في تسويق ما تقدمه إلى المستهلك.





على الرغم من الإهتمام البالغ الذي أعطى لهذا المفهوم في الولايات المتحدة الأمريكية, وتعدد الدراسات التي أجريت عليه إلا أنه لم يخضع لأي نوع من الدراسات في جمهورية مصر العربية, ويعود ذلك إلى حقيقة أساسية وهي الأخذ بالمفهوم التسويقي في تخطيط أنشطة المنظمات العاملة في مصر.


ونتيجة لذلك فإن الدراسات المتعلقة بالمستهلك بصفة عامة, وبسلوكه الشرائي بصفة خاصة لم تنل الإهتمام الكافي من قبل هذه المنظمات, ويعد مفهوم الخطر المدرك من المفاهيم الأساسية والتي تلعب دورا هاما في تفسير سلوك المستهلك النهائي عند قيامة بشراء بعض السلع للمرة الأولى سواء كانت هذه السلع من السلع الميسرة أو المعمرة.





في عام 1960 قدم باير مفهوم الخطر المدرك في مقالته الشهيرة التي قدمها إلى الجمعية الأمريكية للتسويق, وفي هذه المقالة إقترح باير أن سلوك المستهلك الشرائي يمكن النظر إليه وتفسيره بإستخدام هذا المفهوم, ويقول باير في هذا الصدد: " إن السلوك الشرائي للمستهلك يتضمن نوعا من المخاطر لأنه لا يستطيع أن يتنبأ بنتائج قراره الشرائي لسلعة ما بصورة مؤكدة, وأن بعض هذه النتائج قد تكون غير مريحة للمستهلك. ومن هنا فإن المستهلك يعمل على تنمية عدد من الطرق والإستراتيجيات والتي تمكنه من تخفيض ما يشعر به من مخاطر الأمر الذي يساعده على التصرف مع درجة ثقة نسبية, وسهولة أفضل وخاصة عندما يتصف الموقف الشرائي بعدم كفاية المعلومات المتاحة له, وصعوبة تقدير نتائج القرار الشرائي بصورة صحيحة ".


ووفقا لما يقوله باير فإن الدور الذي يلعبه هذا المفهوم في سلوك المستهلك يتلخص في ثلاثة أبعاد أساسية:


1- أن المستهلك وفقا لهذا المفهوم هو متخذ للقرار والذي يحاول الإختيار من بين البدائل المتاحة أمامه في الأسواق والتي لا تكون نتائجها غير مؤكدة فقط, ولكن أيضا قد تكون بعضها سلبية بالنسبة له.


2- أن المستهلك عملا على التغلب على حالة عدم التأكد التي يواجههافإنه يسعى للبحث عن مزيد من المعلومات والتي تأتي من العديد من المصادر والتي تؤدي إلى تخفيض حجم ما يشعر به من مخاطر إلى ذلك المستوى الذي يمكنه من إتخاذه للقرار في ظل مستوى مقبول له من الثقة والسهولة.


3- أن المستهلك هو فرد يحاول- ليس بصورة ناجحة دائما- أن يحل مشكلاته الخاصة بالشراء بطريقة تتصف بالرشد.





ولقد تتابعت الدراسات حول هذا المفهوم بعد تقديمه وذلك في محاولة لتفسيرة, ومعرفة أبعاده, وطرق قياسه. وفي عام 1967 قدم كانينغام تعريفا قياسيا والذي يمكن إستخدامه لقياس هذا المفهوم عمليا. ووفقا له فإن مفهوم الخطر المدرك يتكون من مكونين أساسيين وهما درجة عدم التأكد, والنتائج الخاصة بالقرار. ويشير المكون الأول إلى قياس درجة عدم التأكد التي يشعر بها المستهلك متخذ القرار تجاه النتائج المتوقعة لهذا القرار. أما المكون الثاني فهو يقيس أنواع المخاطر التي يشعر بها المستهلك عند إتخاذه للقرار الشرائي, وأهمية هذه الأنواع بالنسبة للسلعة موضع القرار. ويرى كانينغام أن المخاطر المحتملة تتمثل في ثلاثة أنواع وهي المخاطر المادية, ومخاطر الأداء, والمخاطر الإجتماعية.


ولقد قام العديد من الباحثين بدراسة ذلك المقياس الذي قدمه كانينغام لتحديد درجة صدق المحتوى الخاصة به. وترتبط قضية صدق المحتوى للمقياس بقدرته على قياس المفهوم النظري بصورة صحيحة. وبمعنى آخر فقد هدفت الدراسات المتعلقة بالمقياس إلى تحديد درجة صحة هذا المقياس في قياس مفهوم الخطر المدرك. وبناءا على نتائج الدراسات تم إضافة بعض النتائج الأخرى المحتملة للقرار الشرائي والتي تمثل بعض الأنواع الأخرى من المخاطر.





المخاطر المالية: وهي الخسارة المالية التي يتوقعها الفرد نتيجة قراره بشراء علامة معينة من بين العلامات المتاحة أمامه والتي تتعلق بمنتج معين موضع قرار الشراء. وتعد هذه المخاطر دالة في تكلفة الشراء, ومقدار الدخل المتاح للمستهلك. فكلما زادت التكلفة المرتبطة بقرار الشراء, وكلما قل دخل المستهلك كلما زادت أهمية هذه المخاطر بالنسبة. كذلك كلما زادت درجة التعقد الخاصة بالمنتج من الناحية الفنية كلما زادت التكلفة, وكلما زادت إحتمالات تعرض المنتج للتلف وحاجته إلى تكلفة عالية لإصلاحه وصيانته الأمر الذي يؤدي إلى زيادة شعور الفرد بأهمية المخاطر المالية في القرار.





المخاطر الإجتماعية: عادة ما يهتم المستهلك برأي الآخرين- وبصفة خاصة أفراد الجماعات التي ينتمي إليها- فيما يشتريه من سلع. ومعنى ذلك أن شراء المنتج قد يحمل في طياته نوعا من المخاطر الإجتماعية والتي تتمثل في إحتمالات عدم إتفاق المنتج مع المعايير الخاصة بالجماعات التي تهم الفرد (الجماعات المرجعية).


وكلما كانت السلعة محل قرار الشراء أكثر عرضة للآخرين كالملابس, أو بعض الأجهزة المنزلية المعمرة, أو السيارات, أو الأثاث المنزلي... إلخ, كلما كانت أكثر موضعا للمخاطر الإجتماعية. كذلك فإن السلع التي ترتبط بإنتماء الفرد إلى جماعات وإشباع العلاقة الإجتماعية مع الآخرين تكون محلا للمخاطر الإجتماعية بصورة عالية.





مخاطر الأداء: قد يتعرض المنتج الذي يشتريه المستهلك للفشل في إشباع بعض الحاجات والتي كان يتوقع المستهلك الحصول عليه نتيجة لقراره بالشراء, كذلك قد يفشل المنتج في أداء بعض وظائفه والتي يتوقعها المستهلك عند إتخاذه للقرار. ويزداد ما يدركه الفرد من هذه المخاطر كلما كان المنتج معقدا من الناحية الفنية.





وقد قام بيتمان بالتفرقة بين نوعين من المخاطر المدركة وهما المخاطر الأساسية, والمخاطر التي يمكن التعامل معها. ويشير النوع الأول من المخاطر إلى تلك المخاطر التي تتعلق بمجموعة المنتج بصفة عامة بصرف النظر عن العلامة. أما النوع الثاني إلى تلك المخاطر التي توجد في ذهن المستهلك عند قيامه بعملية المقارنة بين مجموعة العلامات التي تنتمي إلى منتج معين.


وقد أوضح بيتمان وجود بعض العوامل التي تساعد على زيادة المخاطر التي يشعر بها المستهلك بنوعيها في الموقف الشرائي والتي أهمها ما يلي:


- عندما لا تتوافر لدى الفرد معلومات عن مجموعة المنتج موضع الشراء.


- عندما تقل خبرة الفرد بالعلامات التي توجد في مجموعة المنتج موضع الشراء.


- عندما يكون المنتج جديدا على الفرد.


- عندما يتصف المنتج بالتعقد من الناحية الفنية.


- عندما تقل ثقة الفرد في قدرته على تقييم البدائل (العلامات) المتاحة أمامه.


- عندما يكون هناك تباينا عاليا في جودة البدائل المتاحة أمامه.


- عندما يكون السعر المدفوع عاليا.


- عندما يكون قرار الشراء ذو أهمية كبيرة للمستهلك.





ولقد إتجهت الدراسات المتعلقة بهذا المفهوم إلى إتجاهين أساسيين. الأول: هو دراسة العلاقة بين العلاقة بين مفهوم الخطر المدرك وبعض المفاهيم التسويقية الأخرى مثل قدرة المستهلك على تجربة منتجات جديدة, ومفهوم ولاء المستهلك للعلامة التجارية, وإتجاه الأسرة إلى إتخاذ القرارات الشرائية بصورة مشتركة بين الزوج والزوجة, والسلوك الخاص بالمستهلك عند قيامة بالبحث عن المعلومات قبل إتخاذه لقرار الشراء, ومفهوم الولاء للمتجر. الثاني: هو دراسة الإستراتيجيات المختلفة التي يستخدمها المستهلك عند تعاملة مع حجم المخاطر المدركة وذلك بغرض التغلب على هذه المخاطر وإتخاذه لقراره الشرائي.





ولقد إختلطت النتائج المتعلقة بالعلاقة بين مفهوم الخطر المدرك وقدرة المستهلك على تجربة المنتجات الجديدة. فبينما وجد كانيغام أنه لا توجد علاقة معنوية إحصائيا بين مستوى المخاطر المدركة وقدرة المستهلك على تجربة المنتجات الجديدة, فإن أرندت قد وجد أن الأفراد الذين يدركون قدرا أقل من المخاطر هم أكثر قدرة على تجربة المنتجات الجديدة من هؤلاء الأفراد الذين يدركون قدرا عاليا من المخاطر.


وقد أضافت الدراسات الأخرى متغيرا وسيطا بين ما يدركه الأفراد من مخاطر وقدرتهم على تجربة المنتجات الجديدة وهي إستراتيجية الأفراد تجاه ما يشعرون به من مخاطر, وقد فرق الباحثون في هذا الصدد بين إستراتيجية قبول المخاطر وإستراتيجية عدم قبولها, وقد أجمعت هذه الدراسات على أن الفرد الذي يقبل المخاطر يكون أكثر إستعدادا لتجربة المنتج الجديد من الذين لا يقبلونها.





أما من حيث العلاقة بين المخاطر المدركة ومفهوم الولاء للعلامة فقد جادل باير عند تقديمه لمفهوم المخاطر المدركة بأن الأفراد الذين يدركون حجما كبيرا من المخاطر عند شرائهم للمنتجات سوف يكونون أكثر ولاءا للعلامات التجارية في محاولة منهم لتخفيض حجم ما يشعرون به من مخاطر. ولقد أوضحت الدراسات الميدانية الخاصة بهذه العلاقة صحة ما إفترضه باير حولها عند تقديمه لمفهوم المخاطر المدركة.





ولقد دلت الدراسات بصدد العلاقة بين حجم المخاطر المدركة والقرار الشرائي داخل الأسرة على أن إحتمالات إستخدام القرارات المشتركة (بين الزوج والزوجة) تزداد عندما تتعرض الأسرة لقرار شرائي يتصف بالمخاطر العالية, ويؤثر على أفراد الأسرة ككل, كذلك تشير هذه الدراسات إلى أن عملية إتخاذ القرارات الشرائية داخل الأسرة بصورة مشتركة قد يؤدي إلى قيام أفراد الأسرة بإختيار البديل الأكثر خطرا حيث يتم توزيع هذه المخاطر على أفراد الأسرة جميعهم, وقد أطلق الباحثون على هذه الظاهرة إسم ظاهرة تحويل المخاطر.





وقد قام بعض الباحثين بدراسة العلاقة بين حجم المخاطر التي يشعر بها الأفراد والسلوك المرتبط بالبحث عن المعلومات قبل إتخاذ القرار الشرائي, وقد أوضحت نتائج هذه الدراسات أنه كلما زاد حجم المخاطر التي يدركها الأفراد كلما زادت جهودهم وزاد مقدار الوقت المنفق على البحث عن مزيد من المعلومات حول المنتجات البديلة موضع الإختيار.





هناك بعض الدراسات تشير إلى أن مفهوم الولاء للمتجر يعد عاملا هاما في تخفيف المخاطر التي يدركها الأفراد عند إتخاذهم لقرار الشراء, وأن هذا المفهوم تزداد أهمية بالنسبة للأفراد ذوي الدخول المنخفضة نسبيا, وذوي المستوى التعليمي المحدود.





أما بصدد الوسائل والإستراتيجيات التي يستخدمها المستهلك للتقليل من أثر المخاطر المدركة على قراره الشرائي فقد أوضحت هذه الدراسات وجود عدد كبير من هذه الإستراتيجيات أهمها الإعتماد على الخبرة السابقة مع العلامة, أو الإعتماد على خبرات الآخرين, أو الإعتماد على الإنطباع عن العلامة, أو التدعيم للمنتج بواسطة جهة مسئولة ومحايدة, أو الإختبارات الخاصة, أو الإنطباع عن المتجر, أو العينات المجانية, أو إمكانية إعادة المنتج إلى المتجر, أو الإختبارات الحكومية, أو شراء السلع ذات السعر العالي.