إن دارسة و تحليل سلوك المستهلك واحدة من أهم الأنشطة التسويقية في المنظمة , و التي أفرزتها تطورات المحيط الخارجي بسبب احتدام المنافسة و اتساع حجم و نوع البدائل المتاحة أمام المستهلك من جهة , و تغير و تنوع حاجاته ورغباته من جهة أخرى , بشكل أصبح يفرض على المنظمة ضرورة التميُز في منتجاتها سواء من حيث جودتها أو سعرها أو طريقة الإعلان عنها أو توزيعها و ذلك بما يتوافق مع المستهلك و إمكانياته المالية , و هذا لضمان دوام اقتنائها مما يمكن المؤسسة من النمو و البقاء , حيث تحولت السياسات الإنتاجية للمؤسسات من مفهوم بيع ما يمكن إنتاجه إلى مفهوم جديد يقوم على المستهلك باعتباره السيد في السوق وفق ما يسمى بإنتاج ما يمكن بيعه , و هذا لا يتأتى إلا من خلال نشاط تسويقي يرتكز على دراسة سلوك المستهلك و مجمل الظروف و العوامل المؤثرة و المحددة لتفضيلاته و أنماطه الاستهلاكية , من خلال التحري و الترصد المستمر لمجمل تصرفاته و آرائه حول ما يطرح عليه و ما يرغب و يتمنى الحصول عليه .


مبحث اول : سلوك المستهلك
تعريف سلوك المستهلك :
قبل التطرق إلى تعريف سلوك المستهلك وجب علينا أولا تحديد ماذا نعني بالمستهلك و الذي يعرف على انه : " الشخص الذي يشتري أو لديه القدرة لشراء السلع و الخدمات المعروضة للبيع , بهدف إشباع الحاجات و الرغبات الشخصية أو العائلية " . و يفهم من هذا التعريف أن كل شخص يعتبر مستهلك , بحيث يتمثل الدافع الأساسي له في هذا هو إشباع حاجاته و رغباته حسب ما هو متاح و متوفر من جهة , و حسب إمكانياته وقدراته الشرائية من جهة أخرى .
أما سلوك المستهلك فقد قدمت له العديد من التعاريف نذكر من بينها ما يلي :
- حسب محمد إبراهيم عبيدات فيعرف سلوك المستهلك على انه : " ذلك التصرف الذي يبرزه المستهلك في البحث عن شراء أو استخدام السلع و الخدمات و الأفكار , و التي يتوقع أنها ستشبع رغباته أو حاجاته حسب إمكانياته الشرائية المتاحة " .
- حسب محمد صالح المؤذن فان سلوك المستهلك يعرف على انه : " جميع الأفعال و التصرفات المباشرة و غير المباشرة , التي يقوم بها المستهلكون في سبيل الحصول على سلعة أو خدمة في مكان معين و في وقت محدد " .
- حسب محمد عبد السلام أبو قحف فيعرف سلوك المستهلك على انه : " مجموعة الأنشطة الذهنية و العضلية المرتبطة بعملية التقييم و المفاضلة و الحصول على السلع و الخدمات و الأفكار وكيفية استخدامها " .
ً العوامل البيئية الخارجية للمستهلك :
وتشمل هذه العوامل المؤثرات البيئية الخارجية التي تؤثر في المستهلك وهي تشمل المؤثرات الحضارية والثقافية والمؤثرات الاجتماعية والمؤثرات الموقفية والمؤثرات التسويقية.


تأثير ثقافة المجتمع على سلوك المستهلك:
ان لكل مجتمع ثقافته وحضارته ذات الطابع الخاص به وهذه الثقافة تتشكل عبر مئات السنين وتشكل شخصيته بالمقارنة بالمجتمعات الأخرى فثقافة وحضارة المجتمع هي مجموعة القيم والعادات والتقاليد والمعتقدات السائدة، والحضارة تتكون من عنصرين أحدهما تجريدي أو معنوي ويتمثل في القيم الجوهرية للمجتمع وعاداته وتقاليده ومعتقداته والعنصر الآخر مادي يتمثل في الناتج المادي لأفراد المجتمع ويؤدي التفاعل المستمر بين المجتمع والفرد إلى تشكيل تفضيلات الفرد الشرائية والاستهلاكية بصورة تتلاءم مع القيم الجوهرية للمجتمع فتتحدد تبعاً لذلك أنواع المنتجات التي يسمح المجتمع بشرائها واستهلاكها، وتتمتع هذه القيم الجوهرية للمجتمع بالالزام حيث لا يستطيع أي فرد أن يحيد عنها، فعلى سبيل المثال هناك بعض المجتمعات التي تسمح لها حضارتها بأكل لحم الكلاب والخنازير كما تسمح بعض المجتمعات بأكل لحم السمك حياً أو بأكل الضفادع، وهذه السلوكيات غير مقبولة في مجتمعات أخرى وخاصة المجتمعات الإسلامية لأن قيمها الجوهرية لا تقر ذلك ولا تسمح به، ولذلك يجب على مندوبي التسويق الذين يخططون لبيع منتجاتهم في السوق الدولية أن تتفق برامجهم ومنتجاتهم مع قيم وتقاليد المجتمعات الأجنبية ولا تتعارض معها فتفشل وتتسبب في مقاطعة العملاء الأجانب لبضائعهم. وهكذا نرى أن قيم المجتمع ومعتقداته وعاداته وتقاليده في السلوك العام لأفراده تشكل سلوكهم الشرائي والاستهلاكي من عدة جوانب أهمها:
1 تحديد الهيكل الاستهلاكي والفلسفة الاستهلاكية: تقوم ثقافة المجتمع بتحديد شكل وفلسفة الاستهلاك لأفراده من خلال القيم والمعتقدات المكونة لها. فمثلاً تتركز فلسفة الاستهلاك في المجتمعات الغربية حول الرفاهية المادية وتستهدف تعظيم الاستهلاك الاستمتاعي في الدنيا، بينما تقلل الفلسفة الاستهلاكية في المجتمعات الإسلامية من المبالغة في الاستغراق في الاستمتاع المادي وتطالب الفرد بالحفاظ على التوازن بين الجانب المادي والجانب الروحي في حياته.
2 تحديد نوعية المنتجات المباعة داخل المجتمعات: فتحرم الثقافة الإسلامية مثلاً استهلاك بعض المواد الغذائية أو الإتجار فيها كالدم ولحم الخنزير والخمور كما تحرم الثقافة الهندوسية ذبح البقر وأكله.
3 تحديد الثقافة الأسباب التي من أجلها يتم الشراء: فالمستهلكون يشترون المنتجات تبعاً لثقافة مجتمعاتهم لأسباب منها:
اعتقاد المستهلكين بأن السلعة أو الخدمة المشتراة ستقوم بوظيفتها خير أداء.
شراء السلعة من أجل شكلها وهيئتها والصورة التي تباع عليها.
شراء السلعة من أجل معناها الرمزي مثل ارتباط بعض الأكلات بالمناسبات الدينية والوطنية الخاصة بالمجتمع