عندما يقوم المستهلك باتخاذ قرار الشراء الفعلي فإنه يتحمل العديد من المخاطر، ولكنها مخاطر محسوبة، وتأتي المخاطرة أن المستهلك عادة لا تكون لديه الخبرة الفنية الكافية والمعرفة بكل جزئية من السلع المشتراة ومكوناتها ومستقبلها، ولو أن السلع المعروفة قد لا يكون لها نفس معدل الإشباع، وهناك المخاطرة الناجمة عن الخوف على الجسم والصحة العامة، وكذلك المخاطرة المالية والناجمة عن تخوف المشتري من أن اختياره للسلع والخدمات والتي يدفع فيها مبلغاً من المال، قد لا يكون مساوياً لحجم المنافع التي كان يتوقعها من قبل، وعندما يقرر المستهلك شراء السلع والخدمات فإنه قد يخاطر بوضعه الاجتماعي وسمعته إذا ما اختار سلعة أو خدمة لا تقرّها التقاليد والأعراف السائدة.


ومن الضروري لرجل التسويق أن يتعرف على الكيفية التي يمكن للمستهلك أن يتبعها حتى يقوم بشراء السلعة أو الخدمة، وما هي الخطوات الأساسية التي يمكن أن تتم حتى يصل المستهلك إلى قراره الخاص بشراء أو استخدام منتج؟


وتعتبر الإجابة على هذا السؤال من أعقد الأمور التي تواجه المنشأة، إذ أن اتخاذ قرار الشراء والتصرفات المحيطة به، يمكن أن تؤثر بشكل مباشر في العمليات والسياسات التسويقية، ومن دراسة نموذج مبسط لعملية الشراء نجد أن قرار الفرد بشراء سلعة جديدة أو خدمة معينة إنما ينبع من رغبته في الحصول على منفعة معينة، وهذه الرغبة تتأثر بداية بمجموعة من القيود البيئية المحيطة مثل السلع المتاحة في السوق، ومدى تأثير السياسات التسويقية على المستهلك، هذا فضلاً عن العديد من المؤثرات الأخرى مثل الدخل والظروف الاقتصادية والاجتماعية، لذا فإن على المسوق أن يحدد الوزن النسبي لتأثير كل من المتغيرات المحيطة في قرار الشراء، ولكن نموذج الشراء عادة لا يتم وفقاً لهذا النمط المبسط وإنما يتم وفقاً لمجموعة من الخطوات المتشابكة التي يصعب عادة على رجل التسويق أن يضع حداً فاصلاً فيما بينهما والتي تتحرك داخل الإنسان وفقاً لخطوات منظمة نجدها في كل منا.
هذا ومن الضروري الإشارة على أن القرار الشرائي لا يتحرك بنفس الصورة دائماً، بل إن هناك بعض المحددات.


- أن المستهلك يمكن أن ينسحب خارج نطاق هذه الخطوات قبل إتمام عملية الشراء الفعلي، فقد تكون البدائل المتاحة غير مناسبة، أو لم يتسنَّ له التصرف على تلك البدائل، مما يلغي العملية الشرائية.
- تخضع كل المنتجات مهما اختلفت لهذه الخطوات، مع الأخذ في الحسبان أن مدة اتخاذ القرار في السلع الغالية الثمن أو تلك المرتبطة بالحياة الشخصية أو حياة الأولاد تستحوذ على مساحة أكبر من الوقت، كما أن عدم القيام بالخطوة يعني أنها لا تدخل في الحسبان إذ أن بعض الأمور قد تتوافر معلومات عنها في ذهن العميل فإنه يختزنها لاتخاذ القرار في الوقت المناسب، ومع اختلاف الفروق الفردية بين المستهلكين تختلف الوقت والطريقة التي يتخذ بها المستهلك قراره الشرائي، حيث تتفاعل أربعة عوامل أولها طبيعة المشتري ثم طبيعة السلعة المشتراة وخصائصها وخصائص المنتج، وكذا طبيعة الموقف الشرائي ودرجة الحاجة، وفيما يلي شرح لهذه العوامل:


- طبيعة المشتري: مما لا شك فيه أن طبيعة المشتري من الأمور ذات التأثير في اتخاذ القرار الخاص بشراء سلعة أو خدمة معينة وتتباين طبائع المشترين وفقاً لمجموعة من المعايير المتعلقة بالشخصية والبيئة الاجتماعية والمؤثرات الثقافية والاقتصادية في المجتمع وذلك مثل مستوى الثقافة، والطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، ومعتقداته الشخصية وتطلعاته، ووظيفته ودخله، ومدة قدرته على التعلم.
- طبيعة السلعة وخصائصها: تؤثر خصائص السلعة بشكل مباشر على قرار المستهلك وفقاً لجودتها وسعرها والخدمات التي يؤديها المنتج، ويسعى المنتجون إلى تعظيم الانتفاع من السلعة بإضافة مزايا جديدة لها تتناسب مع حاجات ورغبات المستهلكين.
- طبيعة وخصائص البائعين: يتأثر المشتري في كثير من الأحيان، وخاصة في حالات تقديم الخدمات بالمنتج أو البائع وذلك عن طريق ما يمكن أن يكونه من ولاء لاسمه وسمعته في السوق، ومدة إمكانية الاعتماد عليه، والثقة فيه والطابع المميز له في نفوس المشترين، لذا يسعى المنتجون إلى اختيار وتدريب منافذ التوزيع بالصورة التي يمكن أن تترك أثراً طيباً لدى المشترين.
- طبيعة وخصائص الموقف الشرائي: هناك العديد من الظروف التي تؤثر في الموقف الشرائي وتحدد بالتالي تصرف البائع أو المشتري، وفي مقدمتها مدى ضغط الوقت وارتباطه بالحاجة إلى السلعة أو الخدمة، إذ أن ضغط الوقت يمكن أن يجعل القرار يتخذ في غيبة من المعلومات الكافية ويقلل فترة البحث عن البدائل، وبالتالي يؤثر على نوعية القرار الخاص بالشراء.


1- الشعور بالحاجة Recognition of Unsatisfied Needs :
تعتبر السلع والخدمات إحدى الوسائل المستخدمة بالدرجة الأولى في إشباع الرغبات الكامنة لدى المستهلكين المرتقبين، والتي تعد أساساً بمستوى وحجم واحتياجاتهم، وتؤثر البيئة المحيطة بالإنسان في توضيح وبيان الفرصة التي تؤدي لبعث مفهوم الشعور بالحاجة لديه، كأن يشعر الإنسان - رغم حداثة ما يرتديه - بوجود نماذج أخرى أحدث مما يرتدي، فيكون ذلك بمثابة محرك للدوافع والرغبات في شراء ملابس جديدة. وتسعى الجهود التسويقية في هذه المرحلة إلى التعرف على الحاجات غير المشبعة، وكذا إثارة الرغبات الكامنة لتحريك الغرائز والانفعالات بما يساعد على خلق الرغبة لاقتناء سلعة معينة، فقد يوضح إعلان المنشأة مدى الأمان التي يشعر به المستهلك من اقتنائه لوثيقة تأمين ليشعر الإنسان بحاجاته إلى هذا الأمان المفقود بعد وجود وثيقة تأمين له ولأولاده.


وبعد أن يحدد العميل حاجاته فإنه يقرر الجهد المطلوب للقيام بعملية الإشباع، وقد تكون المعلومات والخبرات المتاحة للمستهلك عن الموقف الشرائي محدودة ويبدأ في البحث عن تلك المعلومات من خلال استخدام متكامل لكافة خطوات القرار الشرائي، High Involvement، وبالتالي تكون خبرته السابقة ومعلوماته منخفضة، وقد يكون على العكس تماماً ذو معلومات متكاملة عن المعلومات والموقف الشرائي، ولديه فكرة متكاملة عن البدائل المتاحة، ولا يحتاج إلى بذل الجهد والوقت لإجراء هذه الدراسة أو المقارنة بين هذه البدائل Low Involvement، وبالتالي عندما يشعر العميل بالحاجة يتخذ قراراً شرائياً فورياً، ويكون ذلك عادة في السلع معتادة الشراء، ولهذه المميزات تسعى الجهود التسويقية في هذه المرحلة إلى زيادة حجم المعلومات المتاحة لدى العملاء عن المنتجات، بما يزيد أيضاً من درجة إلحاح الحاجة ويشجع على البحث، ويرى بعض الكتاب أن معظم المنتجات رخيصة السعر في السوق هي من نوع المنتجات التي لا تتمتع بارتباط المستهلك بماركة معينة لا يكون لها ولاء من المستهلكين، بينما معظم السلع الخاصة تتمتع بارتباط بنوعية معينة من المستهلكين.


2- تحديد البدائل المتاحة Identification of Alternatives :
عندما يشعر الإنسان بالحاجة فإنه يكون متوتراً ومترقباً ينتظر الفرصة التي يمكن بها أن يشبع حاجته، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة تحركه الفوري لإشباع هذه الحاجة، بل أن سرعة اتخاذ قرار الشراء يتوقف على مدى الإمكانيات المتاحة له، ونوعية وقيمة الحاجة واجبة لإشباع هذه الحاجة، فضلاً عن الظروف البيئية المحيطة، إذ أن ذلك يؤدي إلى إطالة أو قصر الوقت بين وجود الحاجة أو الرغبة بين اتخاذ الشخص لقرار الشراء، فقد تؤدي الحاجة بالعطش إلى تحرك فوري لشراء زجاجة مياه غازية، كما قد يرى الفرد أثناء مروره على إحدى نوافذ العرض قميصاً أو رباط عنق مناسب (وتكون لديه الإمكانات) فيقوم على الفور بعملية الشراء. بينما إذا أعجب الشخص بسيارة معينة فإنه يفكر ملياً ويستشير أصدقاءه ومعارفه قبل الإقدام على عملية الشراء، ووفقاً لمستوى إدراك العميل لكيفية إشباع هذه الحاجة، يقوم العميل بتحديد السلع والخدمات البديلة التي تشبع حاجته، حيث يحدد بداية المنتجات ثم يحدد الأسماء التجارية المطلوبة، فهو يحتاج نوعاً معين من المشروبات، ثم يحدد الصنف المطلوب، وفي هذه المرحلة فإن العميل إما أن يحدد البدائل بشكل مبسط من ذاكرته، ومن واقع خبرته السابقة وقد يجري بحثاً شاقاً لتحديد البدائل المطلوبة وتتأثر هذه المرحلة بحجم المعلومات التي تعرض لها العميل وخبراته السابقة، ومدى ثقته في هذه المعلومات واتجاهاته نحو مصادرها، ومدى العائد الذي يحصل عليه من البحث عن المعلومات الجديدة مقارناً بالجهد والتكلفة.


وتصاحب المعلومات العميل المرتقب في كافة مراحل القرار الشرائي فالمعلومة هي التي تحرك الحاجات الكامنة وهي التي توضح المغريات البيعية للبدائل المتاحة، وهي التي ترجح بديلاً عن البديل الآخر. كما أنها تحرك وتثير حالات الرضا أو عدم الرضا للعملاء بعد الشراء، ويحصل العملاء على المعلومات عادة من مصدرين أولهما: المعلومات التجارية Commercial Information، وهي التي تقدم من خلال جهود الاتصالات التي تقوم بها المنشآت التسويقية في السوق كالبيع والإعلان والنشر وأنشطة ترويج المبيعات، وثانيهما: المعلومات الاجتماعية Social Information، وهي تلك المعلومات التي تحصل عليها من الأسرة والأصدقاء، ومن تقابلهم في السوق سواء أكانت معلومات مباشرة أو غير مباشرة، ومن أهم مصادر هذه المعلومات هي الكلمة المنقولة Word of mouth والناتج عن مناقشة أمور المنتجات وحالات الرضا وعدم الرضا بين الناس. وقد قدرت إحدى الدراسات أن الفرد يتلقى حوالي 10000 معلومة شهرياً، وأن العقل البشري لديه قدرة كبيرة على تحليل وتصنيف هذه المعلومات واستخدامها في قراراته الشرائية المستقبلية.


وعادة ما تكون الزيارة الأولي لمتجر مدخلاً للتفاعل مع رجل البيع، حيث يقود العميل إلى عادة صياغة للمواصفات المطلوبة (خاصة عند شرائك لأجهزة كهربائية، أو الحاسبات الآلية، وبرامجها، والملابس، والأثاث والعطور وأدوات التجميل والسيارات) ويساعدك البائع في تصور البدائل التي تمثل إشباعاً خاصة بالنسبة لك، وإذا لم يستطع البائع أن يقدم الإشباع المطلوب فإن العميل سوف يبحث في أمرين: إما أن يشتري بدرجة إشباع أقل، وإما أن يبحث عن بدائل جديدة في متاجر أخرى.


3- تقييم البدائل Evaluation of Alternatives :
عادة ما يوائم العميل بين البدائل المتاحة في السوق ويقاوم بين مغرياتها البيعة قبل أن يصدر قرار الشراء المناسب، ومن العوامل التي تؤثر على الفترة المنقضية بين الشعور بالحاجة وبين اتخاذ قرار الشراء ما يلي:
* مدى إلحاح الحاجة على المستهلك ونوعية المنفعة التي تحققها له السلعة.
* شخصية القائم بالشراء وخبرته والمعلومات المتاحة له لاتخاذ قرار الشراء.
* سعر السلعة، باعتبار التضحية التي يبذلها الفرد للاستفادة من المنافع التي توفرها السلعة، فكلما زاد السعر كلما تطلب ذلك وقتاً أطول من المشتري لاتخاذ القرار.




وتهدف الجهود التسويقية في هذه المرحلة إلى تعديد وتقريب المغريات البيعية للسلع والخدمات إلى ذهن المستهلك المرتقب على النحو الذي يحقق له إلماماً بوجود السلع في السوق ونوعياتها وعوامل تفضيلها، وبما يحرك ويحفز على المقارنة، وكذا جذب المستهلك وتحركه لاتخاذ قرار الشراء.


4- قرار الشراء، والقيام بالشراء الفعلي، Purchase Decision:
عندما يزيد إلحاح الحاجة على الشخص فإنه يسعى إلى إشباع هذه الحاجة وإنهاء هذه الرغبة بالإشباع وقرار الشراء في هذا شأنه شأن أي قرار آخر باعتباره اختياراً بين البدائل المتاحة، والمفاضلة بين منافعها وتكلفتها، ولذلك فهو قرار معقد مختلف الجوانب، لأنه نتاج مجموعة من القرارات الجزئية المتشابكة لشراء سلعة معينة ومن صنف معين ومن مكان معين وفي وقت معين وبسعر معين مستخدماً طريقة للدفع معينة. فإذا كان المبلغ المتاح لدى المستهلك يكفيه لشراء قطعة واحدة من الملابس فعليه أن يفاضل بين (حذاء ? بدلة ? قميص...إلخ) وإذا توصل إلى أنه أكثر حاجة إلى البدلة فإن عليه أن يحدد نوع القماش واللون، ومكان الشراء، وموعد الشراء، وهل تشتري جاهزاً أو تفصيل، وبكم يمكن أن يشتريها...إلخ. وما لا شك فيه أن الجهود التسويقية تمد المستهلك بمجموعة كافية تحسن من صورة هذه القرار وتجعل المستهلك راضياً عن قراره باقتناء سلعة معينة، هذا ويختلف اتخاذ قرار الشراء داخل الأسرة الواحدة، ويختلف ذلك أيضاً وفقاً للطبقة الاجتماعية، ومكان وجود الأسرة وحجمها.


5- ما بعد الشراء Post Purchase Behavior:
عندما يشتري عميلك لسلعك وخدماتك ويقتنيها بالفعل فإنه يتولد لديه مجموعة من المعلومات والمعتقدات التي لم تكون موجودة من قبل خاصة إذا كان الشراء يتم لأول مرة، إذ يقوم المشتري عادة بعد عملية الشراء بتقييم هذه العملية، وما حققته له من إشباع لمنافعه، وليؤكد ثقته في قرار الشراء الذي اتخذه، وقد يتأثر المستهلك في هذه المرحلة بالمفاهيم المتولدة لدى أسرته أو مستعملي السلعة، ولكن بالرغم من اختيار المستهلك للمنتجات قد تم بعد دراسة، ومقارنة بين البدائل المعروضة فإنه قد يكون لديه بعض الشك في حسن اختياره وهو ما يعرف بالشك الذاتي cognitive dissonance، وهي تعني حالة القلق والشك التي تنتاب العميل بعد الشراء حتى ولو كان منتجك جيداً، وللأسف فهي حالة شائعة تتطلب منك متابعة عميلك بجهود تسويقية لتؤكد على صحة قرار الشراء وعادة يحدث ذلك إذا ما تقاربت البدائل المعروضة إلى حد كبير أو شعور المستهلك بدفع قيمة أكثر من اللازم أو أن الصنف المشترى لم يحظ بدعم أو نصيحة أصدقاء حول المستهلك، وبعد الشراء يزيد الوزن النفسي للمواصفات التي لا تكون واضحة عند الشراء. وتتزايد هذه الحالة كلما ارتفع سعر المنتجات (شراء سيارة، منزل، أرض) وكلما كانت شخصية المشتري لها ميل طبيعي للشك.


وعادة يسعى المشتري إلى البحث عن أي طريقة تؤكد على قراره الشرائي، ويرفض المعلومات التي تشكك في هذا القرار، ويبحث عن المعلومات التي تؤكد على هذا القرار، وبالتالي فإن رجال التسويق عليهم أن يقللوا من حالة الشك من خلال الصدق وتقديم المغريات البيعية بشكل واضح مركز على الجوانب الظاهرة والخفية في المنتجات قبل عملية الشراء، وقد أثبتت الدراسات أن أي جهود تؤثر على صحة القرار الشرائي في شكل يضغط على العميل، يؤدي إلى آثار عكسية في زيادة عدم حالة القلق لدى العملاء، لكن العناية بشكل فردي بمطالب العميل وخدمته بشكل أفضل تخلق الانطباع بالثقة، كما يسعى رجال التسويق إلى إرشاده عن أفضل السبل للإشباع من السلعة وبيان الطرق الخاطئة لاستخدام السلعة وشرحها للمستهلك ونشر نتائج الاستقصاءات التي توضح رضا المستهلك عن السلعة وخصائصها